مناعة القطيع – المرسال


بينما قامت الدول الأوروبية بإجراءات وقائية مكثفة، وأغلقت المدارس و المقاهي و علقت الأنشطة الرياضية والرحلات بكافة أنواعها، وأصبحت في حجر صحي كامل تقريبًا بالاضافة إلى غلق الحدود للحد من الوباء ومنع انهيار أنظمتها الصحية، لم تتخذ بعض الدول مثل بريطانيا حتى الآن تدابير صارمة لمكافحة الفيروس منذ بداية الوباء، لم يتم إغلاق أي مدرسة، ولم يتم حظر أي اجتماعات، و اتخذت موقفا هادئا نوعا ما، وراهنت على إستراتيجية “المناعة الجماعية”.

و تأمل أن ينتشر الفيروس ببطء، حتى يتمكن السكان من تطوير “مناعة جماعية” ضد المرض، و تأخير ذروة الوباء حتى الصيف لتخفيف الضغط الكبير على الخدمات الصحية، وقد أصدرت تعليمات للأشخاص الذين يعانون من الأعراض بالبقاء في العزل لمدة أسبوع، و تزعم بريطانيا أنّ التضييق على انتشار الفيروس من خلال الحجر الصحي الذي تقوم به بعض دول العالم قد يتسبب بعودة المرض من جديد مستقبلاً، عكس نظرية مناعة القطيع التي سنتعرف عليها من خلال هذا المقال.[1]

مفهوم مناعة القطيع

هل تعيش في منطقة تكون فيها أعداد كبيرة من الناس محمية من فيروس معين؟ إذا كان الأمر كذلك، فقد يكون لمجتمعك حصانة جماعية أو ما يعرف ” بمناعة القطيع”.

مناعة القطيع أو المعروفة أيضا بالتحصين الجماعي، هي نوع من المناعة تحدث عندما يكتسب عدد كاف من الأشخاص مناعةً ضد مرض ما، ليمكنهم بعد ذلك حماية بقية المواطنين ووقف انتشار المرض من خلال معدلات تطعيم عالية.

عندما نتعافى من المرض، يحتفظ جسدنا بذاكرة مناعية ضده، تمكنه مستقبلا من محاربة المرض ذاته في حالة الإصابة به، وهذه هي الطريقة التي تعمل بها اللقاحات، إذ تخلق ذاكرة مناعية ضد المرض مهما كان نوعه، و في حالة وباء كورونا الخطير و الجديد الذي ليس لدينا لقاح له ولم يسبق أن أصيب به أحد، فإنه سينتشر بين الناس، لكن إذا طوّر عدد كافٍ من الأشخاص ذاكرة مناعية ضده، فسيتوقف المرض عن الانتشار، هذه هي “مناعة القطيع”، وهي طريقة فعالة لحماية جميع السكان في بلدٍ ما من الأمراض المعدية.

لكن مناعة القطيع يُنظر إليها في المعتاد على أنها نظرية وقائية ضمن برامج التطعيم، على سبيل المثال فيما يتعلق بالإنفلونزا، أظهرت الأبحاث أنه يجب تطعيم ما لا يقل عن 70 ٪ من الأشخاص في المجتمع ضد الإنفلونزا كل عام قبل الوصول إلى مناعة القطيع، أما إذا لم يكن لدينا لقاح، كما هو الحال مع فيروس كورونا فإن تحقيق المناعة الجماعية يتطلب تعريض عددٍ كبير من السكان للإصابة ثم التعافي من الفيروس بعد ذلك، فماذا يعني هذا فيما يتعلق بانتشار المرض في بريطانيا على سبيل المثال؟

هذا يعني أن نحو 60% من السكان يجب أن يصابوا بفيروس كورونا ثم يكتسبوا مناعة ضده، ومن ثم يتطلب تحقيق هذه المناعة إصابة أكثر من 47 مليون شخص في المملكة المتحدة، إضافة إلى ذلك، فإن المفهوم لا يعني ببساطةٍ السماح للمرض بالانتشار بين المواطنين، وإنما تأخير انتشاره وحماية الأشخاص الأضعف مناعةً والأكثر عرضة للإصابة به، و من خلال إبطاء وتيرة انتشار الفيروس، قد يتوافر لهيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية مزيد من الوقت للاستعداد، ولتطوير لقاح أو علاج، كما سنكون أقرب إلى فصل الصيف.

لماذا تعتبر مناعة القطيع مهمة

ينتشر الفيروس عندما يصيب الشخص المصاب الآخرين سواء عن طريق الرذاذ الذي يتناثر من الأنف أو الفم أو عندما يسعل الشخص المصاب بفيروس كورانا أو يعطس، كما ينتشر من خلال لمس يدي الشخص المصاب أو وجهه، أو عن طريق لمس أشياء مثل مقابض الباب التي لمسها المصاب.

لنتخيل العيش في مجتمع تكون فيه الحماية ضد فيروس معين ضعيفة، يمرض شخص ما، معظم الأشخاص الذين يلتقي بهم غير محميين، ينقل الفيروس بسهولة، و ينتشر المرض بسرعة داخل المجتمع، من ناحية أخرى تخيل الآن أنك تعيش في مجتمع تكون فيه الحماية ضد فيروس معين عالية، يمرض شخص ما، معظم الناس الذين يلتقي بهم محميون، الفيروس غير قادر على الانتشار، المرض يختفي بسرعة و يبقى المجتمع بأسره بصحة جيدة.[2]

بالتالي عن طريق الحصانة الجماعية، يساهم الأشخاص المحميين في حماية أفراد المجتمع الضعفاء مثل كبار السن والشباب والنساء الحوامل والأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة، على وجه الخصوص، و قد يكون الافتقار إلى الحماية لسبب واحد أو أكثر، ربما لم يتلقي جميع هؤلاء الأشخاص اللقاح لأسباب طبية، أو لأنهم لا يستجيبون للعلاج.

مناعة القطيع للقضاء على فيروس كورونا

مناعة القطيع عبارة تستخدم عادة عندما يتم تطعيم أعداد كبيرة من الأطفال ضد مرض مثل الحصبة على سبيل المثال، مما يقلل من فرص إصابة الآخرين به، لكن كتكتيك في مكافحة وباء قاتل مثل فيروس كورانا الذي لا يوجد أي لقاح له حتى الآن وسط أشخاص لا يتمتعون بمناعة، فهذا أمر مثير للقلق، بالإضافة إلى ذلك ما زلنا لا نعرف ما إذا كان الشخص المصاب بمرض Covid-19 والذي تم علاجه محميًا من الإصابة مرة أخرى، قد يعود ربما مع أعراض أخف، في هذه الحالة ، يمكن أن ينتشر الفيروس مرة أخرى،فهو لا يذهب من تلقاء نفسه، يزول الوباء عندما نحصل على اللقاح بالتالي لكي تنجح مناعة القطيع، تحتاج أولاً إلى الحصول على اللقاح.

إستراتيجية بريطانيا في التعامل مع كورونا

منذ ظهور فيروس كورونا الجديد في ديسمبر الماضي، اقترب عدد المصابين بالفيروس إلى 130.000 حالة، كما لقي أكثر من 4700 شخص مصرعهم في 116 دولة وإقليمًا حتى الآن وما زال عدد المصابين في تزايد، و بينما  قامت كل الدول الأوروبية بإجراءات وقائية اختارت بريطانيا مسارًا مختلفًا، حيث لم تقم باتخاذ الكثير من الإجراءات الوقائية رغم تسجيل ألاف الإصابات و 21 حالة وفاة، و قامت بإتباع نظرية ” مناعة القطيع ” كوسيلة لاحتواء فيروس كوفيد 19، وزعمت أنّ التضييق على انتشار الفيروس من خلال الحجر الصحي الذي تقوم به معظم دول العالم قد يتسبب بعودة المرض مستقبلاً، بينما عن طريق نظرية مناعة القطيع يتولد لدى الشخص مناعة ضد الفيروس مع مرور الوقت، ويصبح الأشخاص الأكثر ضعفا أقل عرضة للإصابة، وهذا هو الهدف النهائي الذي تسعى الحكومة البريطانية للوصول إليه.

 تنفذ بريطانيا نهجا من شقين، الأول، هو الشرنقة أي عزل كبار السن عن المصابين، لأن كبار السن تقل المناعة الفطرية لديهم مع تقدم العمر مما يجعلهم أكثر عرضة للإصابة بأعراض حادة، وترك الناس تصاب بكورونا لزيادة مناعتهم، الأمر الذي سوف يخفض انتشار الفيروس داخل المجتمع في غضون شهور قليلة، وبحلول الوقت الذي يخرجون فيه من الشرنقة، تكون مناعة القطيع قد تحققت في بقية السكان، ” أما الشق الثاني هو مطالبة المواطنين بالعزل الذاتي داخل المنزل لسبعة أيام، إذا شعروا بالمرض، وهي وسيلةٌ جيدة لإبطاء انتشاره فحسب.[3]

وقد قوبلت هذه الإستراتيجية بانتقادات لاذعة و أثارت التساؤلات حول مدى فاعليتها في الحد من انتشار العدوى، حيث اعتبرها الكثيرون لا معنى لها، إلا إذا كانت هناك تدابير قوية لمحاربة هذا الوباء الخطير، بإعتبار أن فيروس الكورونا مستجدًا، وليس معلومًا بعد كيف يتفاعل من الناحية المناعية، و إلا ستسير المملكة المتحدة في المسار الإيطالي وستحصل على نفس النتائج المؤسفة.”

انتقادات طالت نظرية مناعة القطيع

سوف يصاب الملايين بنوع خطير من الامراض ناهيك عن الآلاف من القتلى إذا تم تطبيق هذه النظرية في بريطانيا وغيرها، و هذا شيء يتجاوز قدرة الخدمات الصحية، بالإضافة إلى انه ليس هناك معرفة كافية بالفيروس، لذلك في حالة الإصابة بوباء خطير مثل كورونا، من الأفضل التركيز على الأفعال بدلا من النظريات لمواجهة الموقف الحالي بحزم وصرامة.

كما سيكون من الأفضل منع التجمعات و الحجر الصحي وإغلاق المدارس و الجامعات و أي مكان يحتشد فيه الناس، لان هذه التدبيرات ستبطئ انتشار المرض و ستنقذ ألاف الأرواح في الوقت الحالي بدلا من التفكير في أمور مستقبلية لا يعلمها سوى الله، و كما قامت بعض البلدان بحظر التجمعات الكبيرة و أوقفت الأنشطة الثقافية و الرياضية و الدينية، تعتزم الحكومة البريطانية سن قوانين للطوارئ لحظر التجمعات العامة في محاولة للحد من انتشار فيروس كورونا بعد أن تعرضت خطة تطبيق مناعة القطيع لحملة انتقادات كبيرة، و قد تم تعليق كافة المباريات في الدوري الانجليزي حتى الشهر القادم و أيضا تم تأجيل ماراتون لندن و الانتخابات المحلية ستؤجل حتى العام المقبل بسبب فيروس كورونا.

و يبقى السؤال المطروح، ألا ينبغي لبريطانيا وبعض الدول أن تنتظر لترى موقف الصين التي خرجت من الأزمة، بعد الحجر الصحي الشديد في مقاطعة هوبي، مكان انتشار الوباء، و كيف نجحوا في السيطرة على الوباء بعد 7 أسابيع من الجهود القومية الهائلة، ماذا عن مناعة القطيع لديهم؟



Source link

قد يعجبك ايضا

اترك رد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد